إعداد: شذى كيلو
منذ تأسيس رابطة عائلات قيصر عام 2018، وضعت العائلات التي توحّدها مأساة فقدان أحبائها نتيجة الاختفاء القسري على يد النظام السوري، هدفًا واضحًا أمامها: تحويل الحزن والمعاناة إلى قوة منظّمة تعمل من أجل كشف الحقيقة وتحقيق العدالة والمساءلة. واليوم، وبعد سنوات من العمل الدؤوب، نضع بين أيديكم تقريرنا المفصّل حول أبرز الأنشطة القانونية والحقوقية التي أنجزتها الرابطة بين يناير/كانون الثاني 2023 ومايو/أيار 2025، وهي فترة شكّلت نقطة فارقة في نضال العائلات على المستويات الوطنية والدولية.
هذا التقرير ليس مجرد استعراض لنشاطات ميدانية أو قانونية، بل هو شهادة حيّة على قدرة الضحايا وذويهم على انتزاع صوتهم من الصمت المفروض عليهم، وعلى إصرارهم في أن تتحول صور الألم التي جسّدتها “صور قيصر” إلى أدوات للمطالبة بالعدالة، وملاحقة المجرمين، وبناء ذاكرة جماعية تحمي السوريين من تكرار هذه الجرائم مستقبلًا.
1. العدالة كمسار إنساني وقانوني
خلال الفترة المشمولة بالتقرير، تابعت الرابطة تقديم ثماني شكاوى جنائية أمام مكتب النائب العام الاتحادي في ألمانيا، بحق مسؤولين كبار متورطين في جرائم التعذيب، الاعتقال التعسفي، الإخفاء القسري، والإبادة. ورغم أن هذه الشكاوى لم تصل بعد إلى مرحلة المحاكمات المباشرة، فإنها ساهمت في بناء تحقيق هيكلي واسع ضمن مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يتيح ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية أينما كانوا.
إلى جانب ذلك، واصلت الرابطة تقديم بلاغات فردية إلى الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري في الأمم المتحدة، في مسعى متواصل لتثبيت حقوق الضحايا، ولمنع محاولات طمس الحقيقة أو طيّ الملفّات دون كشف المسؤولية.
2. التوثيق: من الشهادات الفردية إلى بناء الذاكرة الجماعية
إن عمل الرابطة لا يقتصر على الملفات القضائية، بل يمتد ليشمل توثيق شهادات الناجين من الاعتقال، الذين يشكّلون جزءًا من الحقيقة المغيّبة. ففي عام 2024، تمكّنت الرابطة من توثيق شهادات ثلاثين ناجيًا وناجية، أضافت بعدًا إنسانيًا وقانونيًا لفهم آليات الاعتقال والتعذيب، وأسهمت في دعم المسار القانوني بتفاصيل دقيقة حول طبيعة الجرائم المرتكبة.
كما استقبل فريق التوثيق في الرابطة أكثر من 700 طلب من عائلات الضحايا للتحقق من صور أحبائهم ضمن قاعدة بيانات صور قيصر. ومن خلال استخدام أدوات تقنية متطورة قائمة على الذكاء الاصطناعي، تمكّن الفريق من تسريع عمليات المطابقة، وتقليل الأثر النفسي المؤلم للعائلات. وقد أسفرت هذه الجهود عن تعرف 93 عائلة على صور أقربائها، وانضمام 70 عائلة جديدة إلى الرابطة، مما رفع عدد العائلات الأعضاء إلى 160 عائلة.
3. النساء في قلب المعاناة
أولت الرابطة اهتمامًا خاصًا بمعاناة النساء المتأثرات بالاختفاء القسري. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، نظّمت سلسلة لقاءات قانونية توعوية، تلتها دراسة معمّقة بعنوان “ليس خيارنا، ولكننا محكومات بالأمل” عام 2024. هذا التقرير، الذي استند إلى مقابلات مع خمسين سيدة، كشف حجم التحديات القانونية والاجتماعية والنفسية التي تواجه النساء السوريات نتيجة فقدان أزواجهن أو أبنائهن، مؤكدًا أن النساء لسن مجرد ضحايا ثانويات، بل في قلب النضال من أجل العدالة.
4. من المحلية إلى العالمية: الشراكات والتحالفات
إيمانًا بأن العدالة لا يمكن أن تتحقق إلا بتكامل الجهود، وقّعت رابطة عائلات قيصر عددًا من مذكرات التفاهم مع مؤسسات دولية رائدة مثل:
-
الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM)
-
المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا (IIMP)
-
المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان (ECCHR)
-
منظمة ملفات قيصر للعدالة
-
رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا
هذه الشراكات ساعدت على تعزيز العمل القانوني والتوثيقي، وضمان وصول أصوات الضحايا إلى أعلى المحافل الدولية.
5. نحو عدالة انتقالية شاملة
مع سقوط النظام السوري السابق، أصبح من الواضح أن المرحلة المقبلة ستتطلب عدالة انتقالية شاملة، تقوم على كشف الحقيقة، المحاسبة، جبر الضرر، ومنع التكرار. وفي هذا السياق، نظّمت الرابطة ندوات قانونية وحقوقية بمشاركة خبراء دوليين وأمميين وأكاديميين، كان هدفها أن يكون لعائلات الضحايا دور مباشر في رسم معالم العدالة في سوريا المستقبل.
ختاماً
يمثل هذا التقرير أكثر من مجرد رصد للأنشطة؛ إنه وثيقة أمل ومقاومة، تعكس إصرار العائلات على أن أصوات أحبائهم لن تضيع، وأن صورهم لن تبقى مجرد دليل صامت، بل ستظل حاضرة في معركة القانون والعدالة.
إن رابطة عائلات قيصر تؤكد التزامها بمواصلة الطريق، وتدعو جميع العائلات السورية المتأثرة بالاختفاء القسري للانضمام إلى هذا الجهد الجماعي، لأن الحقيقة لا يمكن أن تُبنى إلا بالأصوات المتوحدة، ولأن العدالة حق لا يسقط بالتقادم.
ندعوكم إلى الاطلاع على التقرير، مشاركته، ودعم جهودنا في كشف الحقيقة ومنع الإفلات من العقاب.