In the 9th anniversary of the Syrian revolution

وجهها اليوم يعلوه الوجوم، وفي فقه اللغة الوجوم هو تعبير عن حزن دفين يرفض الظهور بشكل تقليدي كغيره من ألوان الحزن الأخرى كالبكاء والصراخ والعويل، وجوم صبغها به من حاولوا وأدها وعملوا جاهدين على بتر أطرافها كي لاتكبر وتمتد.

هو ذلك الحزن الذي يسكت صاحبه ويمنعه من الكلام لأن الأحزان الصغيرة ثرثارة أما عظيمها فأبكم.

وجوم طاف في أرجائها فغدت كجذع شجرة عجوز فارقتها اغصانها التي تكسرت تحت وطأة ثقل أعباء كثيرة وعقبات جليلة، وتساقطت أوراقها واحدة تلو الأخرى حتى تعرت في وقت هي أشد ماتكون بحاجة إلى تلك الأوراق لتدفئها، وتمنحها قليلا من جرع الحياة.

ثورتنا الغارقة في وحول أفكار من استغلوها وامتطوها فداست عليهم ولفظتهم رافضة الانصياع لمثل هؤلاء لأن مثلهم لا يحق لهم أن يتكللوا بمجيد نصر اكتسبوه متسلقين على دماء غيرهم.

ثورتنا التي ولدت بعنفوان زهرة نبتت بين صخور الظلم والقهر فجأة ودون سابق تنسيق وترتيب من وسط حطام النفوس انتفضت بركاناً مشحوناً بآمال من يتوقون إلى أي شيء جذري يغير حياتهم.

كثيرون ممن أعرفهم كانوا قد ملوا من روتين حياتهم الرتيب المتكرر ورددوا مرارا ليت شيئا ما يحدث ويقلب مانحن فيه، ليتنا نستطيع ان نبوح بكلمة لا ، لا نريد !

ربما لم يخطر في بال أحدهم بداية ان تكون ثورة، ربما تغيير بسيط كان سيكفيهم ليتخلصوا من رتابة الحياة، فألفة الأمر تفقده لذته مما حدا بهم أن يطالبوا ويتمنوا ويتوسلوا لأجل حدوث أمر ما يقلب حياتهم ويسيرها نحو الأفضل ،فجاءتهم تمشي على استحياء وقد تراءى لها ماحدث في بلدان أخرى

وأظن أن الأمر قد راق لها راحت توسوس للشباب، وتتزين في عيونهم.

ومالبثوا أن اندفعوا وراءها مفتونين بوعودها البراقة.

كم تشبه زيزفونة حارتنا التي تمتشق النور وتبعث الأريج في كل الارجاء وهذا تماما ما أغراهم بها فتبعوها ولاحقوا نشأتها بل وتبنوا هذه النشأة المباركة وعرفت بثورة الشباب.

الا انها فعلا تشبه الزيزفون

هل لزهرة الزيزفون من ديمومة!!

إنها نادرة الظهور والانتشار في وقت قصيرجدا من اوائل الربيع تينع وتتفتح تبرز مفاتنها وأريجها ثم تختفي لعام قادم. ننتظرها بشغف وشوق كبير.

هذه هي ثورتنا التي تنزوي وتندثر ثم تعاود الانبعاث من جديد.

يقطفون أجمل أغصانها ويلقونهم على قارعة الأيام وهوامش الزمان تدوسهم أقدام من كانوا يوماً إخوة لهم في ذات الأرض وأحيانا في ذات المدرسة والحي.

أي في الوطن ذاته بغضّ النظر عن معنى الوطن وفلسفة المتفلسفين لهذا المعنى، لكنه لعمري شيء صعب جدا؛ يجعلنا نلفظ الوطن، ونرميه وراء ظهورنا لنلجأ إلى أوطان بديلة تكون لنا الحضن والملجأ.

أردنا استبدال أوطاننا وخلعها كما نخلع الاثواب القديمة البالية التي لاتقوى على ستر أجسادنا ولاتستطيع بعث الدفء في أوصالنا.

لقد ضاق بنا بعد أن تورمت جباله وسهوله ووديانه نتيجة حقنها بالكره والحقد بالدياثة والخباثة.

هو لم يكن يوماً لنا عشنا دوما على هامشه غرسنا انيابنا فيه وتشبثنا قدر الإمكان فتحول إلى وحش يلتهم فلذات أكبادنا، أحبابنا، أزواجنا، إخوتنا .

يغيبهم ثم يقتلنا بغيابهم كأصعب قتلة ويميتنا أبشع ميتة، ثم يرمي بنا بعيدا في محاولة منه ليثمل من دمائنا أكثر فأكثر.