في زنزانة تحت الارض

انا اليوم حر ياصديقي لن أدخل الزنزانة مرة اخرى

 

في فسحة من الأرض لم يكن يرانا ويسمعنا فيها  أحد التقيته قبيل غروب الشمس بقليل  بعد أن خرج من زنزاته بفترة .

وبعد عناق قصير سألته: كيف انتهى بك الأمر الى هنا ؟ تنادي بالحرية

ابتسم وقال تعلم رأيي جيداً في هذه الثورة  وتعلم كم كنت أمقتها.

 قلت نعم أعلم فأنت من أتباع الشيخ الالباني ولهذا اسألك.

 قال :تعال اجلس ياصديقي فالجلوس نعمة لايعرفها الا من فقدها .

اجلس واستمع، كنت عائدا إلى البيت وعند مدخل الحارة كان الجو مرعباً وصاعقاً عناصر أمن وسيارات، بواريد وهلع، ورعب.

وقبل أن أتمكن من معرفة مايحدث كنت محشوراً داخل إحدى السيارات، وضربت على رأسي، وأمرت ان أضعه بين قدمي، وألا أرفعه الا داخل الفرع، وبلمح البصر وجدت نفسي في زنزانة لم يتسن لي أن أعلم مساحتها بالضبط لأنك لاترى إلا أجساداً ملتصقة بجسدك.

 تريد أن تجلس فلاتستطيع إلا عندما يأتي دورك لأنه يستحيل الجلوس لأكثر من شخص. وتصدمك رائحة هذه الاجساد وتكاد تخرج روحك من شدة الرائحة قبل أن تعتاد  الأمر رويداً رويداً .

تشعر بظهرك سينقسم من الوقوف غير المتوازن وأنت في فرن يغلي من الأجساد حيث كنا حينها في شهر آب، وانت عبارة عن جسد محشور داخل كومة من الأجساد العارية  إلا من اللباس الداخلي السفلي فقط. بينما  يسيل العرق  من جسدك غزيراً بلا توقف والعطش يتزايد فتشعر وكأنك  دجاجة تشوى في مشواة، وسط هذا الجحيم  أحسست  بلسعات لزجة رطبة على أنحاء شتى من جسدي وبصعوبة التفت لكي اشاهد بعض الاجساد حولي تلعق العرق الذي يخرج من جسدي بديلاً لهم عن الماء ولم استوعب عملهم هذا الا بعد ان قمت انا بلعق كل الاجساد الملتصقة بي.

 وأخيرا وصل إلي الدور كي أجلس وأخر الى الارض أريد ان أحتضنها من شدة التعب لكن لا أستطيع فقط وضعية القرفصاء هي التي تقدر عليها لكن حتى القرفصاء كانت نعمة لي في هذه الدقائق وبكيت من شدة القهر والألم وبعد دقائق انتهت الاستراحة وعدت الى الجحيم وانفجرت بالبكاء من جديد ليلتفت الى جسد مكوم بجانبي ويقول لي إذا كنت تريد النوم فاذهب الى الجورة التي على يسارك واذا كنت محظوظا ستجد ميتاً ضعه على الجورة ونم فوقه. لم اجبه وقلت في نفسي يبدو ان الرجل يهلوس أو أنه جن لكن بعد أن انهار جسدي وعقلي انهيارا كاملا لا اعلم كيف شققت طريقي إلى هذه الجورة وهي عبارة عن  مرحاض قليل مايستخدم فالسجناء في فترة التوقيف ممنوعين الا من القليل من الاكل والذي بدوره يخرج عرقا ودموعا ودما لكن كان يستخدم لوضع من مات به وكنت محظوظا حيث كان هناك جسدان ميتان وضعتهما فوق الجورة ونمت فوقهما ميتا فوق أموات ونمت أعمق نومة في حياتي ولم أستيقظ الاعلى صوت  احدهم  يهزني لينام مكاني.

في هذه الأثناء  كان أهلي قد تمكنوا من الوصول الى كلب كبير من كلاب هذا الوطن ودفعوا له كل ماجمعوه كي أخرج وبالفعل نجحت مساعيهم وفي خامس يوم أصبحت مدعوما وانتقلت إلى زنزانة أقل أجسادا وكلفت أيضا بالسخرة والعمل خارج الزنزانات نهارا.

كانت احدى مهامي هي   إخراج الأموات من زنزانات التحقيق ونقلهم الى قاعة داخل السجن وفي مرة من هذه المرات مددت يدي الى ميت كي أحمله  فاذا به صديق عمري وطفولتي وابن حارتي ولا أعلم كيف حملته وألقيته على ارض القاعة كشوال لايمثل لي شيئا وانفطر قلبي لكني كنت حينها مجرد جسد ميت مثله .وبعد مرور اثنا عشر يوما من الجحيم خرجت بعد ان امر نا ان لاننطق خارجا باي شيء رأيناه .وكان أول من زرانا في البيت أم صديقي تسأل عنه. وربط لساني خوفا وقهرا وأيضا رحمة بها وأنكرت رؤيته لتخبرني بعدها انها عثرت على كلب  طلب منها مبلغا كبيرا ووعدها أنه سيخرج وأنه بخير؛ فصرخت بلا وعي ابنك مات ياخالة، وأخبرتها اني حملته بيدي ليسود الصمت في  المكان لايبدده  إلا  صراخ  الام الثكلى في وجهي لتقول أنت كاذب ابني حي ودفعت المسكينة النقود وضاعت النقود ولم يعد ابنها وإلى اليوم مازالت تنتظره.حدق بي صديقي وتنهد تنهيدة عميقة وقال هل عرفت لم أنا اليوم ثائر؟

انا اليوم ياصديقي مثل عذراء اغتصبت وأقسمت بعدها ان لايمس جسدها أحد ولن أسلم جسدي أبدا الا مع روحي ليس هناك ياصديقي أثمن وأغلى من الحرية حتى الحياة نفسها .

وبعدها ودعته وكان الليل قد أوشك على الانتصاف كان ذاك الوداع الاخير .كان هذا في الشهر السادس من عام 2013 ولم أسمع بعدها عن صديقي شيء إلى عام 2020 وكنت خلالها قد غادرت الوطن سمعت انه قد قتل بعد لقائي معه بستة أشهر  وقد صدق لم يسلم جسده إلا مع روحه رحمه الله وتقبله.

هذا غيض من فيض الجرائم والانتهاكات التي يرتكبها السفاح بحق شعبه  فظائع لم يشهدها التاريخ يقف العالم شاهدا عليها بدون ان يحرك ساكنا.

الدنمارك : خالد ابراهيم