طالب في عالم الهجرة

بين صوت محرك تلك السيارة التي أقلّتني_حيث كانت السبيل في هجرتي _  ,وسخونته كادت تموت الأحلام والأمل بالحياة.

من بين ركام الحرب، ومن ثنايا آلاف قصص الموت والنزوح، تبرز قصتي ،على خلاف بقية مَنْ هاجر قبلي من  البشر  كانت رحلتي هي الأصعب    فالخروج من مناطق سيطرة تنظيم داعش ليس بالأمر السهل مطلقا  ،حيث  انه من الضروري الاختباء في مكان آمن  إلى أن نجتاز  نقطة التفتيش، كيف لا أخرج والجراح كثيرة لعلّ أبرزها  أبناء خالي علاء وفادي اللذين تم اعتقالهما من قبل   التنظيم  وقتلهما بدم بارد وهما في ريعان شبابهما في السابعة عشر من عمرهما ولم يسلمونا جثمانهما الطاهرين.

وخالي الذي   استشهد في قصف  على  مطار كويرس العسكري الذي كان مصدرا للطائرات التي تقصف وتقتل الأهالي،

ولا أنسى خالي محرّم الملقب بـ”الحرّ” الذي قتل حين كان عائدا إلى بيته ولم يصل إليه، ربما كانت أسوأ ليلة عاشها  فقد سلبت منه الحرية لأول مرة، وبات  مصيره مجهولا بالنسبة لنا إلى أن ظهرت صورته من بين صور قيصر التي تحوي آلاف المعتقلين ممن قضوا في سجون النظام السوري الغاشم

في ذلك الوقت مُنع المدنيون من السفر إلى تركيا. ، لكن الإصرار على الخروج من مناطق داعش التي كانت مرتعا  للظلم هو الدافع الأول والرغبة في عيش حياة مدنية ديمقراطية والمضي في طلب علم. كلها كانت  دوافع أساسية من حق أي إنسان أن يطالب و يتمتع بها.

صعدت مع  صاحب سيارة نقل كبيرة  في يوم صيفي حار، حيث أمن لي مخبأً تحت كرسيه بمساحة ضيقة وعلى الرغم من كونها   أضيق من القبر لكن بنفس الوقت كانت طاقة النجاة لي.

مكثت في السيارة لساعتين أو أكثر التهبت الدقائق خلالها  بين خوف من الإمساك بي وبين حرارة المحرك بدأ جسمي  يتعرق  بشدة ونبضي يزداد شيئا فشيئا، بينما أنفاسي  تضيق  حتى وصلت لدرجة الاستسلام والتيقن من الموت.

لم اعد أطيق القعود في ذاك المكان الضيق رغم وسع العالم وكبره بقاراته ومحيطاته ،كانت أضلعي مختلطة ورأسي منحنياً يلامس  ركبتي…

لولا الأمل بالنجاة والعبور لما استطعت أن اصبر أكثر من ذلك.

وعندما ناداني السائق: علي هيا قم انهض لقد عبرنا بسلام ترنمت كلماته على وقع نبضات قلبي الخافق بلهفة وراحت تتمايل معها بدلال .

خرجت راكضاً في الهواء الطلق استنشق الحرية

حامداً الله على السلامة لي وللسائق الذي تحمل عبئا غير قليل  و على عاتقه  ألقيت  مسؤولية كبيرة  أيضاً.

بعد محاولات عدة للعبور إلى تركيا ،عبرت برفقة عوائل في وقت متأخر من الليل مشيا على الأقدام بين ركض وهرولة واستمرت رحلة العبور  أربع ساعات حتى وضعت الخطوة الأولى في طريق النجاح عام 2016 حيث كانت في تركيا البلد الذي احتضن الملايين من اللاجئين السوريين الخاضعين  للحماية المؤقتة،  وغيرهم من لاجئين من جنسيات مختلفة.

بدأت حياتي في العمل كي استطيع أن أرسل لعائلتي  المكونة  من 10أشخاص النقود اللازمة لاخراجهم وجلبهم إلى تركيا ،وبتوفيق من الله تم عبورهم وقدومهم إلى مدينة ازمير حيث  استقريت فيها ، وقررت الزواج ،كانت خطوة سابقة لكن أعطت أثرا إيجابيا فزاد الإصرار والحماس لتحقيق أهدافي وعلى مر السنوات رزقت بطفلين بنت اسميتها فضيلة وابن اسميته محمد، هما فلذة كبدي وروحي التي يحيا بها جسدي ،في الوقت ذاته زادت المسؤولية على عاتقي  لكن الأمل مازاد موجودا وبدعم من عائلتي وتشجيع  خلال  عملي  دام لمدة سنتين قررت أن أعيد التفكير  في مستقبلي وأن أكمل دراستي إلى أن تم قبولي في جامعة حران قسم برمجة الحواسيب عام 2018 لكن لم استطع الذهاب لتلك المدينة وترك أهلي لذا لم اكمل دراستي  وأُصبت بخيبة أمل جديدة. جعلتني أتقاعس لفترة لكن مالبثت أن ألقيت عن كاهلي ثوب اليأس وانطلقت من جديد بخطوة نحو مستقبل أحلم به   حاولت بشتى الوسائل حتى تم قبولي في جامعة كوتاهية في كلية الهندسة فرع هندسة الكهرباء والالكترون،لكن أيضا لم استطع الاكمال بسبب العائق المادي رغم أنني كنت معفيا من دفع قسط التعليم  الجامعي بموجب مرسوم رئاسي  يساعد الكثير من الطلاب اللاجئين  ليحققوا حلم الدراسة الذي فقدوه بخروجهم من سوريا ،تمر الأيام ولم التحق بشكل فعلي في الجامعة مما استدعى مني التفكير جيدا والعمل على تأمين قبولي في إحدى جامعات ازمير ،الأمر تطلب مني جهدا كبيرا ودعماً من أهلي الذين يحلمون معي ويتقاسمون وأياي أمنياتي بإتمام دراستي بالإضافة إلى أستاذي مراد مدير معهد القلم الخاص الذي كان يعطيني دروسا خصوصية مجانا واستمريت على هذا النحو إلا أن تم قبولي في جامعة 9أيلول في ازمير كلية الهندسة فرع هندسة الجيوفيزياء في عام 2020 في وقت انتشار فايروس كورونا الذي زاد من سوء وضع اللاجئين من الناحية الصحية والاقتصادية ،وأنا الآن احضر الدروس عبر الإنترنت وفي نفس الوقت أعمل لتأمين لقمة العيش فالحياة صعبة جدا على اللاجئين السوريين رغم المساعدات المقدمة لهم وهنا أريد أن أذكر أهمية وفائدة التعليم عن بعد بالأخص للطلاب اللاجئين منها: توفير الوقت وفرصة إعادة مشاهدة الدروس أكثر  من مرة الأمر الذي يشجع الكثيرين على إكمال تعليمهم وأرجو أن يتم  اتخاذ خطوات تعزيز ودعم لعملية تعليم اللاجئين عن بعد لأن” العلم يرفع بيوتاً لا عماد لها والجهل يهدم بيوت العز والكرم”

 

كتب بقلم: علي الحساني