عندما يضرب الظلم أركان العائلة..فالإصرار وحده من يعيد الأمل بالحياة


كنا في جلستنا الصباحية المعتادة بعد صلاة الفجر تلك الجلسة الحميمية التي تجمعنا كل صباح يتحدث فيها زوجي الشيخ ابو عبد الله مع أبناءه وبناته ونتذكر ما فعلناه بالأمس ونقرر ما سنقوم به اليوم. كنا نقطف ساعتين صباح كل يوم نشعر فيها بسعادة الدنيا بين ايدينا.
همس لي ابني (أمي اسمع صوت باب انخلع عن مكانه)..لا يا بني لم  اسمع شيء..
لحظات ويُدفع باب غرفة نومنا حيث كنا نجلس جميعاً فإذا بعدد كبير من رجال الأمن يحيطون بنا ويتجه أحدهم نحو زوجي ابو عبدالله ويقوم بتغطية وجهه بقميصه الداخلي ويجره الى خارج الغرفة.

امسك أحدهم ابنتي الكبرى -٩- سنوات ووضعها بين ساقيه وصوّب سلاحه إلى راسها قائلاً لي :هاتي المصاري اللي معكم …انكرت وجود المال معي .ولكنهم هددوني بابنتي ففتحت خزانة الملابس حيث كنت أضع ما نوفره من نقود لأجل السفر إلى السعودية وتأدية مراسم  العمرة وكان للأولاد حصالات يجمعوا فيها ما يوفرونه يرافقوننا في هذه الرحلة. ناولتهم الخمسين ألفاً ليرة فلم يكتفوا و نثروا ما بالخزانة من أشياء ووجدوا حصالات الأطفال ففتحوها وأخذوا ما فيها ..

كانت ملامح  وجوه اولادي تدل على ذهولهم وخوفهم، ضممت ابنتيّ الصغيرتين محاولة الّا يظهر الخوف عليّ كي لا ينتقل اليهم ..انضم إلينا بقية الابناء الخمسة فأخذ رجال الأمن يدورون حولنا وهم شاهرين سلاحهم  ويتلفظون بكلمات نابية تمنيتُ ألّا يفهمها أطفالي….شعرت بخوف رجال الأمن مّنا ونحن العزل وهم المسلحون فقد كان سلاحنا الايمان بالله وحمايته لنا اقوى منهم ومن أسلحتهم.

تركونا وغادروا. لحقت بهم حاملة بنطال زوجي فقد كان يرتدي سروالاً داخلياً فقط ولكنهم رفضوا ان يأخذوه
وجروه وأركبوه السيارة عنوة …

نظرت من النافذة فإذا بدبابة ومدفع ورجال منتشرين حول البيت مشهرين أسلحتهم نحونا. اتجهت السيارة إلى مقر الأمن العسكري الذي يبعد عن بيتنا حوالي عشر دقائق سيراً على الأقدام. ابتعدت السيارة وابتعد الأمان عن حياتنا..

ابتعدتُ عن النافذة فإذا بأخت زوجي وأخوها المريض يخبرونني بأنهم دخلوا عليهم قبلنا بعد خلع باب الدار وهددوهم مع أمهم التي تبلغ الثمانين من عمرها بالقتل إن هم أصدروا صوتاً لينبهونا قبل هجومهم علينا في غرفتنا.

بقيت وأولادي الخمسة …ننتظر عودة الأب والسند …ولكن إحساسي كان يخبرني بعدم عودته.
بدأت العمل لإعالة أبنائي وإتمام دراستهم حاولت تعويضهم غياب الأب ولكن غيابه كان لا يعوض. فهو الزوج الحنون الراقي في تعامله معي ومع اولاده وأهله.وهو الأب الذي يرعى أولاده ويعمل اكثر من عمل  لأجل توفير حياة كريمة لهم 
وهو الابن البار بأمه وأخوته المرضى.

كانت طفلتاي الصغيرتان واللتان لم تعايشا والدهما كثيراً ما تتساءلان عن وجوده ومعنى كلمة بابا؟ 

بينما ابنائي الثلاثة الذين يكبروهما وقد عرفوا وعايشوا والدهم. يتساءلون كيف سأتدبر امورهم في غياب والدهم تربوياً ومادياً وحياتياً…كنت أطمئنهم بأنّ الله سيكون معنا حين نكون معاً.
كبر الاولاد …وكنتُ تلك المرأة القوية التي استطاعت الحفاظ على بيتها وأولادها وعلّمتهم أنّ هناك من انتقص حقاً من حقوقهم وحرمهم من وجود ابوهم في حياتهم. ولا بد للعدالة أن تقتص من قتل ابيهم وربما يطول الزمان لكنهم وأبناءهم لن ينسوا أبوهم وجدهم وقاتله.

تعرضتُ للاعتقال ربما لأنني  زوجة الشيخ ..ولاعتقالي قصة سأرويها فيما بعد ولكنها جعلتني افكر بمغادرة قريتي وبلدي إلى بلدٍ آمن ..كنت ُ كالقطة الأم تنقل  اولادها من مكان إلى مكان حاملة كل منهم بخفة وخفاء حتى استطعت الوصول بهم إلى بر الأمان ووصلت تركيا.

تابعت دراستي وعملت ُ ولم أخبر أحد في محيطي بأن زوجي شهيد وبأنّ أولادي يتامى. فقد كانوا يظنونه مسافراً ويظنون
إنني كامرأة وأم سعيدة ولم أعاني كما عانت الأمهات الأخريات من الفقدان والاعتقال والتهجير . 

كنت أعاني بصمت ولم أبح بأحزاني لأحد غير الله كنت أناجيه ليلاً.. أدعوه ان يحمي لي اولادي ويحفظهم لي وأن يقويني على الاستمرار حتى اراهم وقد أنهوا تعليمهم وبدأت خطواتهم الخاصة في مشوار كل منهم.

تزوجت ابنتي الكبرى وأتمنى أن ارى فرحة أبنائي جميعهم وأتمتع برفقة أحفادي. وأحكي لهم حكايا جدهم…والعدالة المنتظرة.

انضمامي إلى رابطة عائلات قيصر زادني قوة وفخراً بأنني أصبحت عضوا في رابطة تضم امثالي يعانون الفقدان والحرمان ولكنهم يضعون أهدافاً لحياتهم تفي شهداءهم حقوقهم ويؤدون واجبهم تجاههم. وهاهم يرفعون الصوت حتى وصل إلى المنظمات الدولية والأمم المتحدة بالمطالبة بالمختفيين والبحث عن قبور شهداءهم ليدفنوهم بقبور تليق بإنسانيتهم وكراماتهم.