خطوات صغيرة في طريق العدالة

صنوان لايفترقان، حروب طاحنة  تلتهم كل ماحولها، وجرائم ضد الإنسانية يكمّل بها مرتكبوا الانتهاكات ما تناسته الحرب أو تغافلت عنه، يتحدان ليرسما لوحة دموية قاتمة تخفي خلفها أرواحاً لا تحصى وتغيبها في مشهد فناء أبدي.

لم يقف العالم متفرجاً إزاء هذه المآسي بل بذل مافي وسعه لمجابهة ذلك، فقد شهد في تاريخه المعاصر  محاكم عدة لجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية؛ كما حدث في رواندا ويوغوسلافيا السابقة.

لكن على الرغم من إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، إلا أنها لمّا تستجب بعد لآهات السوريين  بعد مضي ٩ سنوات على الحراك الثوري في سوريا، وتحويل مساره السلمي إلى حرب شرسة من قبل النظام السوري الذي ارتكب فيها أشنع الجرائم الموثقة، والمؤكد وقوعها بأدلة قانونية قطعية، مع توفر كافة الشروط الكافية للمحاسبة عليها ابتداءً بالصور التي سربها قيصر لآلاف المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب في سجون النظام، حيث سرّب نحو 55 ألف صورة منها 28707 صورة تخص ما لا يقل عن 6786 شخصاً قضوا تحت التعذيب في معتقلات النظام، وليس آخر هذه الجرائم جريمة استخدام غاز السارين في اللطامنة من قبل القوات الجوية السورية كما ورد في تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، حيث أشار هذا التقرير بوضوح إلى ارتكاب النظام لهذه الجريمة إذ أطلق قذائفه المحملة بالسارين والكلور في اللطامنة من خلال غارات متتالية؛ فبدأ بقصف أحد المشافي في ريف حماه الشمالي بذخائر محملة بغاز الكلور،  وقتل طبيبا وأصاب ما يقارب الثلاثين شخصاً، وأتبع قصفه هذا بغارتين استهدفتا جنوب اللطامنة أصابت 76 شخصاً.

يتم حاليا الدفع باتجاه توسيع صلاحيات المحكمة الجنائية الدولية كي تضمن تفعيل محاسبة انتهاكات  أخرى مثل جريمة التجويع، والتي هي إحدى الوسائل التي يستعملها النظام السوري خلال حرب التجويع الممنهج التي مارسها على شعبه بما في ذلك المعتقلين في سجونه (والتي تأكدت من خلال الصور التي سربها  قيصر)، كما مارسها على بعض الأحياء والمناطق قبل اقتحامها، خصوصاً في ريف دمشق (دوما، وداريا، ومعضمية الشام) وغيرها، ولكن المحكمة لاتزال تقف عاجزة إزاء جرائم النظام السوري تلك.

هنا نقف لنتساءل ما فائدة هذه المحكمة  طالما أن حق هؤلاء الضحايا مازال مهضوماً وحق من قضوا تحت التعذيب مازال غائباً ينتظر العدل.

وما الذي نحتاجه للوصول إلى هذا القرار؟

تشكلت هذه المحكمة من أجل محاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الفظائع بحق الإنسانية وجرائم إبادة الجنس البشري، لكن للأسف الشديد لم  يتم تفعيل دور المحكمة ليشمل جميع الدول في العالم. وعلى الرغم من مفاوضات نظام روما، حاولت الكثير من الدول جعل المحكمة ذات سلطة عالمية، لكن هذا الاقتراح فشل بسبب معارضة الولايات المتحدة وأفضت نتيجة هذه المفاوضات إلى أن يصبح النظام الحاكم في سوريا في منأى عن الحساب والمحاكمة عن الجرائم التي ارتكبها في سوريا -تحت ولاية هذه المحكمة- لأن سوريا دولة غير موقعة على اتفاقية روما،  ولأن روسيا  وبشكل مستمر تقوم بعرقلة أي قرار يخرج من مجلس الأمن يدين النظام مستخدمة حق الفيتو.

كل ما نحتاجه كسوريين وعوائل ضحايا هو خطوة واحدة فقط، فإن قراراً دولياً بإنشاء محكمة دولية خاصة بسوريا أو تحويل الملف للجنائية الدولية خطوة واحدة كفيلة بإحلال السلم الاهلي في سوريا.

يرى (أ. م ) وهو عضو في رابطة عائلات قيصر أن “العجز الدولي مقصود، فالمجتمع الدولي غير عاجز عن محاكمة النظام السوري وأتباعه، وهو يمتثل لأوامر الولايات المتحدة الأمريكية، فعندما قررت امريكا محاسبة نظام البعث في العراق (صدام حسين) اتخذت القرار بناء على ادعاءات باطلة بأن النظام العراقي يمتلك أسلحة نووية ودمار شامل بينما أن النظام السوري منذ ٩ سنوات يمارس الجرائم بكل أنواعها حتى أن الكلام عن الكيماوي أصبح أمراً مضحكاً عندما نتذكر الخطوط الحمراء التي تكلم عنها أوباما وعند إثبات أن النظام السوري استخدم السلاح الكيماوي في سوريا اكتفى المجتمع الدولي بمسرحية سحب السلاح الكيماوي من سوريا.”

ويتابع أ.م حديثه قائلا: “كل ما أرغب به الأن هو إسقاط النظام السوري بالكامل والمساعدة في إنجاز حكومة انتقالية للانتقال لحكم مدني ومحاسبة جميع أركان النظام السوري بالكامل وعدم السماح للدول التي دعمت النظام السوري مثل روسيا وإيران بالمشاركة باتخاذ أي قرار بخصوص الحكومة الانتقالية وتنفيذ متطلبات الشعب السوري الكاملة ومنها إخراج المعتقلين ومعرفة اماكن جثث الشهداء المجهولة اماكن دفنهم”

يؤكد ج.م وهو أيضاً عضو في رابطة عائلات قيصر أن ” الخذلان الدولي للقضية السورية ليس بسبب عجزه عن القيام بخطوة فعالة لوقف استمرار القتل وإنهاء حكم النظام إنما بسبب عدم رغبته بذلك لقد رأينا كيف تعامل مع الثورة المصرية وكذلك الثورة في تونس، اليمن، ليبيا، ولم يحتج الكثير من الوقت لينفذ إرادته. في الحقيقة أجد أن هناك رغبة في بقاء الحكم لنظام الأسد لأنه وبعد كل ماحدث في سوريا منذ عشرسنوات لم يحرك العالم شيئاً”

 في 23 من شهر نيسان 2020 في مدينة كوبلنز الألمانية  بدأت محاكمة كل من أنور رسلان رئيس قسم التحقيق في الفرع 251  أومايسمى فرع الخطيب، بالاضافة إلى صف الضابط إياد الغريب، وهما مُتّهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية من ضمنها جرائم قتل واعتداء جنسي، وتعذيب آلاف الذكور والإناث السوريين، فيما اتهم “الغريب ” باعتقال المتظاهرين في احدى المظاهرات حسب المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان .

فرع الخطيب (الفرع ٢٥١) والذي كان “الرسلان ” رئيس قسم التحقيق فيه تسرب منه صور لـ ١٠٣ شهيد تحت التعذيب ظهروا في صور قيصر. تابع هذا الحدث الكثير من الناشطين والحقوقين السوريين وبالتأكيد اهتم به بالدرجة الأولى الضحايا الذين نالوا نصيبهم من التعذيب وذوي الضحايا الذين قضوا تحت التعذيب وأبرزهم عائلات قيصر , ولدى سؤالي لهم عن أهمية هذه المحكمة بالنسبة لهم و هل هذه الخطوة كافية للتخفيف من المأساة السورية والمساهمة في التئام الجروح؟

يقول أ.م  “محاكمة أنور رسلان خطوة جيدة ولكن يجب أن تكون هذه فقط البداية فهناك الكثير من أشكال أنور رسلان وليس من المنطقي أن تحاسب شخص واحد من عصابة كاملة وتترك رئيس العصابة حراً طليقاً يتمتع بشرعية على شعبه.

أما بالنسبة لإياد الغريب أظن أن موقفي منه يختلف ولكن هذا الأمر من اختصاص المحامين والمحكمة هي خطوة في مشوار طويل لتحقيق العدالة لآلاف الأرواح التي قضت تحت التعذيب. متهم واحد الآن وعلى أمل أن يكون هناك أخرون يحاكمون.”

يقول ج.م “إن هذه المحاكمة خطوة لابأس بها لكن الأهم أن تحذو بقية الدول حذو ألمانيا وأن لا يقف الموضوع عند محاكمة هذين الشخصين إنما يتعداه ليشمل الكثير من المجرمين.”

إن مايعانيه ذوي الضحايا من آلام بسبب فقدانهم أحبتهم لا يداويه إلا خطوات جادة وموضوعية وإظهار الحقيقة وإحقاق العدل.

وإن غياب العدالة والمحاسبة في سوريا حتى الآن هو دليل آخر على الفشل الأخلاقي والسياسي الذي يعاني منه المجتمع الدولي والذي لن ينتج عنه -ان استمر- سوى مزيد من الدمار والخراب والتطرف في كل أنحاء العالم.

خطوة واحدة فقط كفيلة بضمان الراحة النفسية لآلاف الأرواح المعذبة، والتي تنتظر القصاص من جلادها، وإن استمرار تجاهل ما يحدث سوف يفاقم من تعداد الجرائم وربما تتحول لبلدان أخرى.

كل ما نحتاجه كسوريين وعوائل ضحايا هو خطوة واحدة فقط، فإن قراراً دولياً بإنشاء محكمة دولية خاصة بسوريا أو تحويل الملف للجنائية الدولية خطوة واحدة كفيلة بإحلال السلم الاهلي في سوريا.

 

ياسمين المشعان